أجمع المشتغلون بالعلوم الانسانية-ومنهم الأطباء النفسيون – أن العقل يتكون من منطقتين ,يفصل بينهما حاجز غير محكم ,يدعى المقاومة أو الرقيب,أحدهما العقل الواعي أو الوعي أو الشعور ,والأخرى العقل الباطن أو اللاشعور.ولا أوافق –مع الاجماع على اصطلاح اللاشعور,لأن العقل الباطن له كل وظائف العقل الواعي ,بل أكثر بكثير,وان كنا لا نفطن الى عمله تفطنا واضحا
بسبب ضوضاء الواقع.
العقل الباطن عند أطباء النفسيين
اهتم الأطباء النفسيون في النصف الأخير من القرن الماضي بظاهرة قدرة العقل على التخيل , وما سمى فيما بعد الايحاء ,وقسموا الايحاء الى ذاتي وموضوعي (أي الايحاء الى النفس أو الغير ) , واعتقدوا أن الايحاء يسبب الأمراض النفسية , وقالوا ان السحر نوع من الايحاء , وأنه يسبب السيطرة والخضوع والمعتقدات الخاطئة (الهذاءات) والأحلام الهادفة أو المؤثرة , والخوف المرضي والتجوال الليلي (المشي في أثناء النوم).
فسر الأطباء الخوف المرضي تفسيرا منطقيا نوعا ما,قالوا ان المريض يصاب به منذ طفولته المبكرة , فمثلا اذا فزع طفل من القط , فان خوفه من القطط قد يبقى منطبعا في عقله الباطن طوال حياته,مع أنه لا يمكنه تذكر حادثة القط الذي أفزعه حينما كان صغيرا في المهد .
وقال الاطباء ان ظاهرة التجوال الليلي هي نفسها ظاهرة التنويم المغناطيسي,وأمكنهم احداث حالة المشي في أثناء النوم في وسيط نوم تنويما مغناطيسيا,وكان الوسيط المتجول في أثناء النومه دائم الاتصال وتحت سيطرة المنوم,وأهمية هذا الاكتشاف-العظيم في وقته أن الأطباء أمكنهم بواسطة التنويم المغناطيسي استرجاع الذكريات المنسية من المرضى المصابين بمرض الهستيريا خاصة,وكان مرضا مألوفا,أكثر منه الآن ,في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن خاصة من السيدات .
ونادى الأطبياء باستعمال الايحاء الكلامي والعاطفي في علاج الأمراض النفسية,وخاصة في أثناء خروج المريض من نومه المغناطيسي يطبق الآن من قبل بعض بعض الأطباء النفسيين في بعض الأمراض والعادات الضارة ,كالعادة التدخين ,بنجاح يشهد به المعالجون الذين يقومون بهذا النوع من العلاج.ويعود الى المسمريين نسبة الى الطبيب فرانك مسمر 1734-1815)فضل تقسيم العقل الى منطقتين :الوعي والباطن,وان كلتا المنطقتين تعملان معا جنبا الى جنب,وان كنا لا نسمع أو ندرك عمل العقل الباطن نطرا لضوضاء الحياة وانشغالنا بها,وبدهي أن العقل ينام مع الانسان,وتتوقف وظائفه,بعكس العقل الباطن الذي لا ينام ابدا حتى أصبح واضحا ما للعقل الباطن من تأثير على الميول والأفكار والآراء والمعتقدات والعواطف,وكان الاعتقاد السائد
أن التفكير عملية شعورية واعية مائة في المائة,الى أن أثبت أحد الأطباء أن أي تفكير انما هو خلاصة أو محصلة ما يدور في العقلين الواعي والباطن.
حوالي عام 1850 ظهرت طريقة جديدة الاتصال مباشر بالعقل الباطن,وكان ظهورها أساسا بين الروحانيين,ثم أخذها عنهم الأطباء النفسيون,وأساسها أن ينوم المريض (عادة مريض الهستيريا)مغناطيسيا,ثم يعطى قلما ويطلب منه أن يكتب ما يعين له,وكان المرضى يكتبون عن ذكريات نسيت أو كتبت,وتشبه هذه الطريقة الى حد كبير طريقة استحضار الأرواح المعروفة باستعمال الورقة والقلم في أثناء جلسة روحية في ضوء خافت,وعادة ما يقوم بالكتابة أكثر حاضري الجلسة تأثرا بالموقف,فاذا ترجمننا هذا الى كلام علمي-قلنا أكثر حاضري الجلسة ايحاء أو الوسيط.
العقل الباطن يدخل عصر التحليل النفسي
لكل زمان طابعة الحضاري الخاص,كان طابع أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن هو التحرر من القيود والعادات والوهم,وهو الرومانسية,أما طابع هذا العصر الذي نعيش فيه فهو الواقعية والتقنية واستفاد الأطباء النفسيون,ما زالوا يستفيدون من كلا الاتجاهين لصالح مهنتهم,احتدام أثناء الاتجاه الأول بين المثقفين . . قال الفلاسفة ان البحث في العقل الباطن لا يدخل في نطاق العلم تماما,بل يتعداه الى ما وراء الطبيعة . .
وقال علماء النفس ان ظواهر العقل الباطن هي التفكير الخفي والذاكرة المنسية,هي العواطف المكبوتة,وهي ليست من اختصاص الاطباء وقالوا أيضا ان الفصام (وهو مرض عقلي) ليس بالمعنى المتعارف عليه في الطب,ولكنه مفهوم من مفاهيم العقل الباطن وليس الاطباء صنعة فيه,ونادى البعض أن العقل شيء والمخ والأعصاب شيء آخر,وأن العقل غير الكمبيوتر,أو حصيلة عمل خلايا المخ.
الى أن جاء فرويد-1865- 1939 الطبيب النفسي الأشهر,ودرس التراث الحضاري كله عن موضوع العقل الباطن,ثم خرج على العالم بنظريته"الكبت"وقال ان الكبت يولد الانفجار و معنى ذلك أن كبت الرغبات والأفكار –وخاصة الجنسية- تسبب الاضرابات النفسية,كان الوقت غير هذا الوقت,والجنس مكبوت حتى ان الكلام فيه كان محرما,قال فرويد ان الأمراض النفسية هي نتيجة الصراع بين الرغبات المكبوتة في العقل الباطن القوى الكابتة,ومكانها بين العقلين الواعي والباطن,ومن هنا تجىء المقاومة التي يبديها المريض لطبيبه خصوصا في المراحل الأولى للعلاج النفسي,ويعمل الطبيب أول ما يعمل على مساعدة المريض على التغلب على المقاومة,حتى يسهل عليه اخراج المحتويات المكبوتة.وأطلق فرويد على طريقته في العلاج"التحليل النفسي"ولم تكن معروفة قبله.
ومع فرويد جاء كارل جوستاف يونج(-1961 –1975
,وأضاف جديدا الى ما عرف عن العقل باطن,كان يونج فيلسوفا أكثرمنه طبيبا,على عكس فرويد الذي كان طبيبا أكثر عالما نفسيا,فعل يونج ما فعله فرويد,بأن درس التراث الحضاري في كل من الغرب والشرق,وبخاصة في الهند,ثم قال ان الدلائل تشير الى أنه يوجد عقل باطن عام الى جانب العقل الباطن الخاص بكل انسان,وأسماه العقل الباطن الجماعي أو السلالي او المشترك بين جميع الأجناس على السواء,وان محتويات العقل الباطن السلالي لم تكبت ولكنها موجودة(أي توارثت)وتعاقبت مع الانسان على طول نشأته وارتقائه,قال يونج ان العقل السلالي يحتوي على رموز وقوى قديمة أسماها "الرموز الأولية,وان هذه الرموز لها طاقة وفاعلية تؤثر دائما في سلوكنا وحياتنا"دون أن نشعر بتأثيرها اطلاقا,هذه القوى الخفية الرمزية هي,الصديق والحبيبة(أو الحبيب للمرأة)والأم والأب.وقال يونج ان هذه الرموز أو القوى الفعالة قد يكون تأثيرها على المرءضارا أو نافعا,فهناك الشرير الضار والنافع الخير,وكذلك الأب المشتت والمقوم الحكيم.كان والد يونج قسيسا فنشأ يونج نشأة مسيحية صالحة,لذلك كان علاجة أقرب الى الروحانيات من الواقع الطبي,وتعاليمه عامة غير مفهومة للغالبية من الاطباء,وعلاجه يعود بالنفع أكثر روحانيات وأقل مادية, ومع ذلك فأقواله عن العقل الباطن السلالي معترف بها ومقدرة من جميع الأوساط العلمية.
وهكذا أجمع الأطباء النفسيون في الآنه الأخيرة على أنه يوجد أنواع عديدة للعقل الباطن,فهناك العقل الباطن الخازن للذكريات والخبرات,والعقل الباطن"المنشق"ويحتوي على سبيل المثال على الأفكار والحوادث المؤلمة وغير المرغوب فيها,ثم العقل الباطن"الملهم"أو"الخلاق"وتأثيره واضح في أعمال الأدباء والفنانين,وعقل الباطن "الموروث"أو السلالي أو الجماعي,ولاشك انه توجد عقول باطنة أخرى لم تكتشف بعد,وسيؤدي اكتشافها مستقبلا الى اثراء معلومات الأجيال المقبلة القادمة عن عن ذلك "الشيء" العظيم المهارة والمقدرة كما تخيله فون هارتمان.